فخر الدين الرازي
269
القضاء والقدر
وحينئذ يصير هذا الترغيب والترهيب عبثا بالكلية . ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : وَقالُوا : اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا : أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً « 1 » واستدلال به من وجهين : الأول : إن ذلك القول لو كان مخلوقا للّه تعالى لصار الكلام ركيكا لأنه يصير تقدير الكلام : تكاد السماوات أجعلها منفطرة والأرضين أجعلها منشقة بما خلقت في العبد هذا الكلام ، وأردته وقضيت به . ومعلوم : أن ذلك في غاية الركاكة . وأيضا : فقوله : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . نص في أن العبد هو الذي جاء بذلك الفعل . الثاني : إن الواحد منا إذا أنكر على غيره فعلا ، ثم أتى بمثله عد سفيها . قال تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ « 2 » ؟ فلما عاب عليهم قولهم إن ولدا للرحمن فالذي خلق ذلك القول فيهم يكون العبث عليه ألزم . لو أن قائلا قال : تأملوا قبح قولهم إن للرحمن ولدا ، ومن قبحه انفطرت السماوات وانشقت الأرض فانهدت الجبال ثم مع ذلك فإني أنا الذي فعلت ذلك ، وخلقته فيهم وقضيته عليهم وأردته منهم . لقال الناس : ما أشد حماقة هذا القائل ، وما أقبح صنعه . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يليق هذا برب العالمين ؟ . والجواب : إن عندنا مجموع القدرة والدّاعي ، موجب للفعل ، وعلى هذا التقدير فهذه الإلزامات ساقطة عنا . وأيضا : فالوجوه الاثني عشر المذكورة دالة على وقوع تكليف ما لا يطاق ، وكل ذلك يبطل هذه الكلمات . واللّه أعلم
--> ( 1 ) سورة مريم الآيات 88 - 91 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 44 .